الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
243
مناهل العرفان في علوم القرآن
تربية النفوس على الحرمان وتعذيب الجسد ، وزادوا الطين بلة فقالوا : إن البعث روحاني مجرد عن إعادة الجسم ، مخدوعين بتلك النظرية الفلسفية الخاطئة وهي احتقار اللذات المادية وذمهم إياها بأنها حيوانية . وغاب عنهم أنها لا تكون نقصا إلا إذا سخر الإنسان عقله وقواه لها ، وأسرف فيها إسرافا يشغله عن اللذات العقلية والروحية القائمة على العلم النافع والعمل الصالح . أما إذا اعتدل فيها ووفق بين المطالب الروحية والجسمية ، فتلك مفخرة للإنسان وميزة لنوع الإنسان ، بها صار عالما عجيبا جمع بين روحانية الملائكة وجثمانية الحيوان والنبات ، وقد خلقه اللّه في الدنيا مظهرا من مظاهر إبداعه واقتداره ، فكيف ينقص ملكوت الآخرة هذا المظهر العجيب ، على حين أن الآخرة هي دار العجائب والغرائب ، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؟ ! وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . 5 - وكذلك ضل متطرفة اليهود فعكسوا الأمر ، وأفرطوا في حب المادة حتى أحلوا لأنفسهم جمعها من أي ريق ، وبالغوا في استنزاف دماء العالم بالربا وأكل أموال الناس بالباطل وظنوا أن لا جناح عليهم إذا رزءوا أي عنصر غريب عنهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . 6 - ولكن القرآن قد جاء يرد هؤلاء وهؤلاء إلى جادة الاعتدال ، ووقف موقفا وسطا يرجع إليه الغالي وينتهى إليه المقصر ، فأعلن عقيدته في وضوح على نحو ما ذكرنا . وتناول أخطاءهم المذكورة بالإصلاح والتقويم فقال في معرض الرد على أنهم الشعب المختار : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وقال في هذا المعرض أيضا : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ وقال أيضا : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ . مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ